أمــل دنـقل/شاعر عربي مصري عرف بالتزامه القومي. من أجمل قصائده التي حفظت منها بعض الأبيات "لا تصالحْ!..ولو منحوك الذهب..أترى حين أفقأ عينيك..ثم أثبت جوهرتين مكانهما..هل ترى..؟..هي أشياء لا تشترى" . جمعت أعماله الشعرية المبعثرة كاملةً في كتاب واحد بعد وفاته .
الشاعر في هذه القصيدة يبكي ؛ و بمشاعر صادقة ؛ بين يدي زرقاء اليمامة* على هزيمة العرب الكبرى في ال 67 .. يلصق عار الهزيمة بأنظمة الحكم العربي حين يقول :" ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ ... دُعيت للميدان !أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،أدعى إلى الموت .. ولم أدع إلى المجالسة !! " لكن ما الذي حدث بعد 41 عاماً من نكسة العرب ...؟؟ ما زالت نفس الأنظمة القمعية هي نفسها تتحكم بمصائر الشعوب ، و مازالت هي نفسها التي تتبنى الإنتصارات المحدودة للمقاتلين العرب الغير حكوميين ؛ لتجر دولة العدو إلى طاولة الحوار .. هي ذاتها الحكومات التي تغطي على إرهابها لشعوبها بنفس الشعار القديم "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" . "قيل ليَ :اخرسْ ..فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !.. ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) .. أحرس القطعان.. أجتزُّ صوفَها ..أردُّ نوقها ..أنام في حظائر النسيانطعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة" .
- جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
- أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
- منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
- أسأل يا زرقاء
- عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
- عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة
- عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
- فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
- أسأل يا زرقاء
- عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
- عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
- كيف حملت العار
- ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
- ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
- ***
- تكلمي أيتها النبية المقدسة
- تكلمي بالله.. باللعنة.. بالشيطان..
- لا تغمضي عينيك، فالجرذان
- تلعق من دمي حساءها .. ولا أردها
- تكلمي لشد ما أنا مهان
- لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران
- ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها
- ولا احتمائي في سحائب الدخان ..
- تقفز حولي طفلة واسعة العينين.. عذبة المشاكسة
- كان يقص عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادق
- فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادق
- وحين مات عطشا في الصحراء المشمسة
- رطب باسمك الشفاه اليابسة
- وارتخت العينان
- فأين أخفي وجهي المتهم المدان؟
- والضحكة الطروب: ضحكته ..
- والوجه .. والغمازتان
- ***
- أيتها النبية المقدسة
- لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..
- لكي أنال فضلة الأمانْ
- قيل ليَ "اخرسْ ..
- فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
- ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
- أجتزُّ صوفَها ..
- أردُّ نوقها ..
- أنام في حظائر النسيان
- طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .
- وها أنا في ساعة الطعانْ
- ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
- دُعيت للميدان !
- أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
- أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
- أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،
- أدعى إلى الموت .. ولم أدع إلى المجالسة !!
- ***
- تكلمي أيتها النبية المقدسة
- تكلمي .. تكلمي ..
- فها أنا على التراب سائلً دمي
- وهو ظمئً .. يطلب المزيدا .
- أسائل الصمتَ الذي يخنقني :
- " ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
- أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!"
- فمن تُرى يصدُقْني ؟
- أسائل الركَّع والسجودا
- أسائل القيودا :
- " ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
- " ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
- ***
- أيتها العَّرافة المقدسة ..
- ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
- قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
- فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
- قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
- فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
- وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..
- والتمسوا النجاةَ والفرار !
- ونحن جرحى القلبِ ،
- جرحى الروحِ والفم .
- لم يبقي الا الموت
- والحطام
- والدمار
- وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار
- ونسوة يسقن في سلاسل الأسر
- وفي ثياب العار
- مطاطئات الرأس، لا يملكن الا الصرخات التاعسة
- ***
- ها أنت يا زرقاء
- وحيدة، عمياء
- وما تزال أغنيات الحب، والأضواء
- والعربات الفارهات، والأزياء
- فأين أخفي وجهي المشوها
- كي لا أعكر الصفاء الأبله المموها
- في أعين الرجال والنساء
- وأنت يا زرقاء
- وحيدة عمياء
- وحيدة عمياء
إرسال تعليق